يعيش قطاع غزة أزمة اقتصادية واجتماعية مستمرة، في ظل حديث عن تعليق المحادثات الرامية إلى المضي قدمًا في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في القطاع، نتيجة حالة التصعيد التي تشهدها المنطقة. 

ويزيد تعثر التقدم في المراحل المقبلة من اتفاق وقف إطلاق النار من حجم المعاناة التي يعيشها الغزيون، بعد أقل من شهر على إعلان واشنطن حصولها على تعهدات بمليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة.

وبعد أشهر طويلة من الحرب والدمار، لم يدخل القطاع مرحلة تعافٍ حقيقية، بل انتقل إلى طور مختلف من الاستنزاف، عنوانه الغلاء، ونقص الإمدادات، وتآكل القدرة الشرائية لدى السكان.

وبحسب المستشار الإعلامي لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، عدنان أبو حسنة، فأن الأوضاع الإنسانية في غزة وصلت إلى مستوى مأساوي للغاية، في ظل استمرار إغلاق المعابر، مما يمثل حكماً بالموت البطيء بحق سكان القطاع.

ويضيف أبو حسنة إن أكثر من 1.4 مليون فلسطيني لا يزالون مشردين في مخيمات النزوح أو في الطرقات أو بجانب منازلهم المُدمرة، وسط نقص حاد في مياه الشرب والغذاء والمأوى الملائم، مما يُعمّق المعاناة الإنسانية المتواصلة.

وتسبب إغلاق المعابر في 28 فبراير/شباط، بالتزامن مع التصعيد الإسرائيلي الإيراني، في تعليق دخول المساعدات والوقود والإمدادات التجارية، قبل أن يُعاد فتح معبر كرم أبو سالم بشكل جزئي في 3 مارس/آذار، بما سمح بدخول الوقود وبعض المساعدات والواردات التجارية المحدودة.

ورغم هذا التخفيف الجزئي، بقيت معابر أخرى مغلقة، واستمرت حالة عدم اليقين بشأن انتظام تدفق الإمدادات، ما انعكس سريعًا على أسعار السلع الأساسية، وزاد اعتماد السكان على المساعدات الإنسانية.

وتقول منظمات دولية إن المشكلة في غزة اليوم لا تقتصر على وجود السلع أو غيابها، بل تمتد إلى قدرة الناس على الوصول إليها بأسعار يمكن احتمالها.

وتشير تقارير أممية إلى أن أسعار السلع الأساسية ما تزال أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب، وأن إغلاق المعابر الأخير تسبب في ارتفاع جديد في أسعار المواد الغذائية وغير الغذائية، في وقت تبقى فيه السلع غير الغذائية أكثر هشاشة بسبب محدودية تدفقها أصلًا إلى القطاع. وحتى حين تتوفر بعض المواد في الأسواق، فإن كثيرًا من الأسر تنظر إليها بوصفها معروضة للبيع أكثر مما هي متاحة فعليًا للشراء.

ويزداد هذا الضغط مع تراجع قدرة منظومة الإغاثة نفسها على التعويض. ففي فبراير/شباط، وصل الشركاء الإنسانيون إلى نحو 1.2 مليون شخص بحصص غذائية تغطي فقط 50 بالمئة من الحد الأدنى للاحتياجات الحرارية، مقارنة بنحو 1.6 مليون شخص حصلوا على حصص كاملة في يناير/كانون الثاني. كما أن إدخال الوقود بعد إعادة فتح كرم أبو سالم ظل دون الحد الأدنى اليومي المطلوب لتشغيل الخدمات الإنسانية الحرجة، ما يعني أن أي اضطراب جديد قد ينعكس مباشرة على المخابز والمطابخ المجتمعية وخدمات المياه والصحة.

وتقول مصادر داخل غزة أن التأخير المستمر في صرف رواتب ومعاشات الموظفين إلى جانب حالة الغموض بخصوص موعد صرفها ، يترك العديد من الأسر بلا موارد مالية كافية للعيش، مما يخلق حالة من عدم الاستقرار.

وفي موازاة أزمة الأسعار، تستمر أزمة السيولة في تقويض ما تبقى من قدرة الأسر على الصمود. فالمساعدات النقدية أو أي تحويلات مالية لا تصل إلى قيمتها الفعلية كاملة، بسبب استمرار عمولات السحب النقدي عند مستويات مرتفعة، وهو ما يقلص القيمة الحقيقية للدخل قبل أن يصل إلى يد العائلة. 

وتشير تقارير حديثة إلى أن عمولات السحب بقيت مرتفعة خلال يناير/كانون الثاني، وتراوحت في أواخر فبراير/شباط بين 12 و14 بالمئة، مع مؤشرات على ارتفاع إضافي طفيف مع موجة الإغلاق الأخيرة.